همس الأشواق

{ ... أيها الآتي من بعيد , جرد حُسام الحروف من غمده , رتل في المنفى حكايتنا .
امتطِ غربتنا وأطلق العنان ,, واحفر تفاصيل المطر في حدود الخطر , لا تأبه الزمان .
أيها الآتي من بعيد , صوب أنظار الثورة .. الثورة في كل مكان
تيمم بالضلوع المبشورة واحجز في مقبرة الروح مقعدا ً ,, واصرخ آن الأوان .
واحمل بندقية الفكر وكن مع أهل غزة , أرسو معنا في بساتين منتديات همس الأشواق ـ... }
إذا كانت هذه الزيارة الأولى لك , عليك ( التـسـجيل ) قبل البدء بـ المشاركة معنا


همس الأشواق

 
الرئيسيةالرئيسية  مجلة منتدى همس الأشواق  البوابةالبوابة  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  




 
أهلاٌ وسهلاٌ بك يا زائر في منتدى همس الأشواق اذا كنت عضو جديد أضغط هنا   لأستعراض المواضيع الجديدة منذ أخر زيارة لك  أضغط هنا  ولأستعراض المواضيع الذي لم يتم الرد عليها  أضغط هنا















شاطر | 
 

 المسألة الأولى الجزء 4

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
أبو البراء



عضو


star-0



ذكر تاريخ الميلاد : 08/12/1990
العمر : 27

مُساهمةموضوع: المسألة الأولى الجزء 4   2011-02-22, 10:45 pm

لفظ الأذى يدل لغة على ما خف من الشر



ومما ينبغي أن يُتَفطن له أن لفظ الأذى في اللغة هو لما خفَّ أمره وضعف أثره من الشر والمكروه، ذكره الخطابيُّ وغيره، وهو كمال قال، واستقراء موارده يدّل على ذلك، مثل قوله تعالى: )لَنْ يَضُرُّوكُمْ إلاَََّ أَذَى(، و قوله: )وَ يَسْأَلُونَكَ عَنِ المحِيْضِ قُلْ هُوَ أَذَى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ في المحِيْضِ(.

وفيما يؤْثر عن النبي e أنه قال: "القُرُّ بُؤْسٌ وَالحَرَّ أذى"، و قيل لبعض النسوة العربيات: القُرَّ أشد أم الحر؟ فقالت: من يجعل البؤس كالأذى؟ و البؤسُ خلاف النعيم، وهو ما يُشقِي البَدَنَ ويضره، بخلاف الأذى فإنه لا يبلغ ذلك، ولهذا قال: )إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَه(، وقال سبحانه فيما يروى عنه رسوله e: "يُؤْذِيِنْي ابنُ آدمَ يَسُبُّ الدَّهْرَ"، و قال النبي e: "مَنِ لِكَعْبِ بِنْ الأشْرَفِ؛ فإنَّه قَدْ آذى اللهَ وَرَسُولَهُ؟"، وقال: "مَا أحَدٌ أصْبَر عَلَى أذىً يَسْمَعهُ مِنَ اللهِ، يَجْعَلُونَ لَهُ وَلَداً وَشَرِيكاً وَهُوَ يُعَافِيهِم وَيَرْزُقُهُمْ"، وقد قال سبحانه فيما يروى عنه رسوله e: "يا عِبَادِي إنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضُرِّي فَتَضُرُّوني، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُوني"، و قال سبحانه في كتابه: )وَلاَ يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ في الْكُفْرِ إنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئاً( فبين أن الخلق لا يضرونه سبحانه بكفرهم، لكن يؤذونه تبارك وتعالى إذا سبُّوا مقلِّبَ الأمور أو جعلوا له سبحانه ولداً أو شريكاً أو آذوا رسله وعباده المؤمنين، ثم إن الأذى لا يضرُّ المؤْذَى إذا تعلَّق بحق الرسول فقد رأيت عظم موقعه، وبيان أن صاحبه من أعظم الناس كفراً وأشدهم عقوبة، فتبين بذلك أن قليل ما يؤْذيه يكفر به صاحبه، ويحل دمه.

و لا يَرِدُ على هذا قوله تعالى: )لاَ تَدْخُلوا بُيُوتَ النَّبيّ( ـ إلى قوله ـ: )إنَّ ذَلِكُمْ كانَ يُؤذِي النَّبيَّ فَيَسْتَحْيي مِنْكُم( فإن المؤذي له هنا إطالتهم الجلوس في المنزل، واستئناسهم للحديث، لا أنهم/ هم آذوا النبي e، والفعل إذا آذى النبي من غير أن يعلم صاحبه أنه يؤذيه ولم يقصد صاحبه آذاه فإنه يُنْهى عنه ويكون معصيةً كرفع الصوت فوق صوته، فأما إذا قَصَد أذاه أو كان مما يؤذيه وصاحبه يعلم أنه يؤذيه وأقدم عليه مع استحضار هذا العلم فهذا الذي يُوجب الكفر و حبوط العمل، والله سبحانه أعلم.



الدليل الثامن حرمة تزوج أمهات المؤمنين بعد وفاة النبي

الدليل الثامن على ذلك: أن الله سبحانه قال: )وَمَا كانَ لَكُمْ أنْ تُؤذُوا رَسُولَ اللهِ وَلاَ أنْ تَنْكِحُوا أزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِه أبَداً إنَّ ذَلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللهِ عَظِيماً(، فحرَّم على الأمة أن تنكح أزواجه من بعده؛ لأن ذلك يؤذيه، وجعله عظيماً عند الله تعظيماً لحرمته، وقد ذكر أن هذه الآية نزلت لما قال بعض الناس: لو قد تُوُفيّ رسول الله e تزوجت عائشة، ثم إن مَن نكح أزواجه أو سَرَاريه [فإن] عقوبته القتلُ، جزاءً له بما انتهك من حرمته، فالشاتم له أولى.

و الدليل على ذلك ما روى مسلم في "صحيحه" عن زُهَيْر عن عَفَّان عن حماد عن ثابت عن أنس أن رجلاً كان يُتَّهَمُ بأم ولد النبي e، فقال رسول الله e لعلي: "اذْهَبْ فَاضْرِبْ عُنُقَه"، فأتاه عليّ فإذا هو في رَكيٍّ يتبرد، فقال له علي: اخرج، فناوله يده، فأخرجه، فإذا هو مَجْبُوبٌ ليس له ذَكَر، فكفَّ علي، ثم أتى النبي e فقال: يا رسول الله، إنه لمجبوبٌ ماله ذَكَر"، فهذا الرجل أمر النبي e بضرب عنقه لما قد استحلَّ من حرمته، ولم يأمر بإقامة حدِّ الزنى، لأن حد الزنى ليس هو ضرب الرقبة، بل إن كان مُحصناً رُجِمَ، وإن كان غير محصن جُلد، ولا يقام عليه الحد إلا بأربعة شهداء أو بالإقرار المعتبر، فلما أمر النبي e بضرب عنقه من غير تفصيلٍ بَيْنَ أن يكون محصناً أو غير محصن عُلم أن قتله لما انتهكه من حرمته، ولعله قد شهد عنده شاهدان أنهما رَأيَاه يباشر هذه المرأة، أو شهدا بنحو ذلك، فأمر بقتله، فلما تبين أنه كان مَجْبُوباً علم أن المفسدة مأمونة منه، أو أنه بَعثَ علياً ليَستبري القصة، فإن كان ما بلغه عنه حقاً قتله، ولهذا قال في هذه القصة أو غيرها: أكون كالسكة المحماة، أم الشاهد يرى ما لا يرى الغائب؟ فقال: "بَلِ الشَّاهِدُ يَرَى مَا لاَ يَرَى الغَائِبُ".

ويدلُ على ذلك أن النبي e تزوَّجَ قَيْلَة بنت قيس بن معدي كرب أخت الأشعث، ومات قبل أن يدخل بها، وقبل أن تقدم عليه، و قيل أنه خيَّرها بين أن يضرب عليها الحجاب وتحرم على المؤمنين وبين أن يطلقها فتنكح من شاءت، فاختارت النكاح، قالوا: فلما مات النبي e تزوجها عكرمة بن أبي جهل بحضرموت، فبلغ أبا بكر، فقال: لقد هممت أن أحرق عليهما بيتهما، فقال عمر: ما هي من أمهات المؤمنين، و لا دخل بها، ولا ضرب عليها الحجاب، وقيل: إنها ارتَدَّت، فاحتجَّ عمر على أبي بكر أنها ليس من أزواج النبي e بارتدادها.

فوجه الدلالة: أن الصدِّيق رضي الله عنه عَزَم على تحريقها وتحريق مَن تزوجها، لما رأى أنها من أزواج النبي e، حتى ناظره عمر أنها ليست من أزواجه، فكف [عنهما] لذلك، فعلم أنهم [كانوا] يَرَوْنَ قتلَ من استحل حُرمة رسول الله e.

و لا يقال: إن ذلك حد الزنى لأنها كانت تكون محرمة عليه، ومَن [تَزَوَّجَ] ذات مَحْرمٍ حُدَّ حَدَّ الزنى أو قُتل؛ لوجهين:

أحدهما: أن حد الزنى الرجم.

الثاني: أن ذلك الحد يفتقر إلى ثبوت الوطْءِ ببينة أو إقرار، فلما أراد تحريق البيت مع جواز ألا يكون غَشِيها عُلم أن ذلك عقوبة لما انتهكه من حرمة رسول الله e.



فـصــــل


الأدلة من السنة على انتقاض عهد الذمي الساب وقتله



و أما السنة فأحاديث:

الحديث الأول: ما رواه الشَّعبيُّ عن علي أن يهوديةً كانت تَشْتُم النبي e وتَقَع فيه، فخنقها رجل حتى ماتت فأَبْطَل رسول الله e دمها، هكذا رواه أبو داود في "سننه" و ابن بطة في "سننه" وهو من جملة ما استدلَّ به الإمامُ أحمد في رواية ابنه عبدالله، وقال: ثنا جرير عن مغيرة عن الشعبي قال: كان رجل من المسلمين ـ أعني/ أعمى ـ يَأْوِي إلى امرأة يهودية، فكانت تُطْعِمه وتحسن إليه، فكانت لا تزال تشتم النبي e وتؤذيه، فلما كان ليلة من الليالي خَنَقَها فماتت، [فلما] أصبح ذُكِر ذلك للنبي e، فنشد الناس في أمرها، فقام الأعمى فذكر له أمرها، فأبطل رسول الله e دمها.

وهذا الحديث جيد؛ فإن الشعبي رأى علياً وروى عنه حديث شُرَاحَة الهَمْدَانية، وكان على عهد قد ناهز العشرين سنة، وهو كوفي، فقد ثبت لقاؤه علياً، فيكون الحديث متصلاً، ثم إن كان فيه إرسال لأن الشعبي يبعد سماعه من علي فهو حجة وفاقاً، لأن الشعبي عندهم صحيح المراسيل، لا يعرفون له مرسلاً إلا صحيحاً، ثم هو من أعلم الناس بحديث علي وأعلمهم بثقات أصحابه.

وله شاهد حديث ابن عباس الذي يأتي؛ فإن القصة إما أن تكون واحدة أو يكون المعنى واحداً، وقد عمل به عوام أهل العلم، وجاء ما يوافقه عن أصحاب رسول الله e، ومثل هذا المرسل لم يتردَّدِ الفقهاء في الاحتجاج به.



ما يؤخذ من الحديث من الأحكام

وهذا الحديث نَصٌّ في جواز قتلها لأجل شتم النبي e، ودليل على قتل الرجل الذمي وقتل المسلم و المسلمة إذا سبَّا بطريق الأَولى؛ لأن هذه المرأة كانت مُوادعة مُهادِنة، لأن النبي e لما قدم المدينة وَادَعَ جميع اليهود الذين كانوا بها مُوَادَعة مطلقة، ولم يضرب عليهم جِزْيَةً، وهذا مشهور عند أهل العلم بمنزلة المتواتر بينهم، حتى قال الشافعي: "لم أعلم مخالفاً من أهل العلم بالسير أن رسول الله e لما نزل المدينة وادَعَ يهود كافة على غير جزية".

وهو كما قال الشافعي.


أصناف اليهود الذين كانوا حول المدينة



وذلك أن المدينة كان فيما حولها ثلاثَةُ أصنافٍ من اليهود: بنو قَيْنُقَاع، وبنو النضير، وبنو قُرَيْظَة، وكان بنو قينقاع و[بنو] النَّضِير حُلَفَاء الخَزْرَج، وكانت قُرَيْظَة حُلَفَاء الأَوْسِ.

فلما قَدِم النبي e هادَنَهُم و وَادَعَهُم، مع إقراره لهم ولمن كان حَوْل المدينة من المشركين من حلفاء الأنصار على حِلْفِهم وعهدهم الذي كانوا عليه، حتى أنه عاهد اليهود على أن يعينوه/ إذا [حارب، ثم] نقض العهد بنو قَيْنُقَاع، ثم النَّضِير، ثم قُريْظَة.

قال محمد بن إسحاق ـ يعني في أول ما قدم النبي e المدينة ـ: و كتب رسولُ الله e كتاباً بين المهاجرين والأنصار وَادَعَ فيه يهودَ وعاهَدَهم، وأَقَرَّهم على دينهم وأموالهم، واشترط عليهم، وشرط لهم.

قال ابن إسحاق: حدثني: عثمان بن محمد بن عثمان بن الأخنس بن شريق قال: أخذت من آل عمر بن الخطاب هذا الكتاب، كان مقروناً بكتاب الصدقة الذي كَتَب عمر للعمال.

كتب: "بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتابٌ من محمدٍ النبيِّ بين المسلمين والمؤمنين من قُرَيْشٍ ويَثْرِب ومَن تبعهم فلحق بهم و جاهد معهم أنهم أمَّةٌ واحدة دون الناس، المهاجرون من قريش على رِبْعَتِهِم يَتَعَاقَلونَ بينهم مَعَاقِلَهُم الأُولى، يَفْدُونَ عَانِيَهُم بالمعروف والقِسْطِ بين المؤمنين، وبنو عَوْفٍ على رِبْعَتِهِم يَتَعَاقَلُونَ مَعَاقِلَهُمُ الأُولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف و القِسْط بين المؤمنين"، ثم ذَكر لبطون الأنصار بني الحارث وبني سَاعِدَة وبني جُشَم وبني النَّجَّار وبني عَمْرو بن عَوْف وبني الأوْس وبني النَّبِيتِ مثلَ هذا الشرط.

ثم قال: "وإن المؤمنين لا يتركون مُفْرِحاً منهم أن يُعْطُوه بالمعروف في فِدَاء أو عَقْل و لا يحالِف مؤمن مولى مؤمن دونه" ـ إلى أن قال ـ: "وإنَّ ذِمَّة الله واحدة، يُجِيرُ عليهم أدناهم، فإن المؤمنين بعضهم مولى بعض دون الناس، وإنه من تَبِعَنَا من يهود فإن له النصر والأُسْوَةَ، غير مظلومين ولا متناصرٍ عليهم، وإن سلم المؤمنين واحدةٌ" ـ إلى أن قال ـ: "وإن اليهود يتفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، وإن ليهود بني عَوْف ذِمَّة من المؤمنين، لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم، مواليهم وأنفسهم، إلا مَن ظَلَم وأَثِمَ فإنه [لا يُوْتِغُ] إلا نفسه وأهل بيته، وإن ليهود بني النجار مثل ما ليهود بني عَوْف، وإن ليهود بني الحارث مثل ما ليهود بني عَوْف، وإن ليهود بني ساعدة مثل ما ليهود بني عَوْف، وإن ليهود بني جُشْم مثل ما ليهود بني عوف، وإن ليهود بني الأوس مثل ما ليهود بني/ عوف، وإن ليهود بني ثَعْلَبَة مثل ما ليهود بني عوف، إلا مَن ظَلَم وأَثِمَ فإنه [لا يُوْتِغُ] إلا نفسه وأهل بيته، وإن لحقته بطن من ثعلبة مثله، وإن لبني الشطبة مثل ما ليهود بني عوف ... وإن موالي ثعلبة كأنفسهم، وإن بطانة يهود كأنفسهم".

ثم يقول فيها: "وإن الجار كالنفس غير مُضَارّ ولا آثم ...

وإنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حَدثٍ أو اشتجار يخشى فسادُه فإن مَرَدَّهُ إلى الله وإلى محمد e ... وإن يهود الأوْس ومَوَاليهم وأنفسهم على مثل ما في هذه الصحيفة مع البار المحسن من أهل هذه الصحيفة".

وفيها أشياء أُخر، وهذه الصحيفة معروفة عند أهل العلم.

روى مسلم في "صحيحه" عن جابر قال: كَتب رسول الله e على كل بَطْن عُقُولَه، ثم كتب أنه لا يحلُّ إلى أن يتوالى رجل مسلم بغير إذنه".

وقد بين فيها أن كل مَن تبع المسلمين من اليهود فإن له النصر، ومعنى الاتباع: مسالمته وترك محاربته، لا الاتباع في الدين كما بينه في أثناء الصحيفة، فكل من أقام بالمدينة ومخالفيها غيرَ محارِبٍ من يهود دخل في هذا.

ثم بيَّن أن ليهود كل بطن من الأنصار ذِمَّة من المؤمنين، ولم يكن بالمدينة أحد من اليهود إلاَّ وله حلف إما مع الأوْس أو مع بعض بُطُون الخزرج، وكان بنو قَيْنُقَاع ـ و هم المجاورون بالمدينة، وهم رَهْطُ عبدالله ابن سَلاَم ـ حُلَفَاء بني عَوْف بن الخَزْرَج رَهْط ابن أُبيّ، وهم البطن الذين بُدئ بهم في هذه الصحيفة.


بنو قينقاع أول الناكثين



قال ابن إسحاق: "حدثني عاصم بن عمر بن قتادة أن بني قَيْنُقَاع كانوا أوَّل يهود نَقَضُوا ما بينهم وبين رسول الله e، وحاربوا فيما بين بَدْرٍ وَأُحُدٍ، فحاصرهم رسول الله eحتى نزلوا على حُكمه، فقام عبدالله بن أبيّ بن سَلُول إلى رسول الله e ـ حين أمكنه الله منهم ـ فقال: يا محمد أحْسِنْ في مَوَاليَّ ... فأعرض عنه، فأدخل يده في جَيْب دِرْعِ رسول الله e، فقال رسول الله e: "أرْسِلْنِي"، وغضب (حتى إن لِوَجْهِ رسول الله e ظِلالاً)، وقال: "وَيْحَكَ أَرْسِلْنِي"، فقال: والله لا أرْسِلُكَ حتى تحسن في مواليَّ، أربع مائة حاسِرٍ وثلاث مائة دَارعٍ/ قد منعوني من الأحمر والأسود تَحْصُدهم في غداة واحدة؟ إني و الله لامرؤ أخْشَى الدَّوَائر، فقال رسول الله e: "هُمْ لَكَ".

و أما النَّضِيرُ و قُرَيْظَة فكانوا خارجاً من المدينة، وعهدهم مع رسول الله e أشْهَرُ من أن يَخْفَى على عالم".

وهذه المقتولة ـ والله أعلم ـ كانت من قَيْنُقَاع؛ لأن ظاهر القصة أنها كانت بالمدينة، وسواء كانت منهم أو من غيرهم فإنـ[ ـها] كانت ذِمِّيَّةً؛ لأنه لم يكن بالمدينة من اليهود إلا ذميٌّ؛ فإن اليهود كانوا ثلاثَةَ أصنافٍ وكلُّهم معاهد.

و قال الواقديٌّ: "حدثني عبد الله بن جعفر عن الحارث بن الفضيل عن محمد بن كعب القرظي، قال: لما قَدِمَ رسولُ الله e المدينَةَ وادعَتْهُ يهودُ كلُّها، فكتب بينه و بينها كتاباً، وألحق رسول الله e كلَّ قوم بحلفائِهم، وجعل بينه وبينهم أماناً، وشَرَط عليهم شروطاً؛ فكان فيما شرط أن لا يُظَاهِرُوا عليه عدواً.


نقض بني قينقاع العهد



فلما أصاب رسولُ الله e أصحابَ بدرٍ وقدم المدينَةَ بَغَتْ يهودُ، وقطعت ما كان بينها وبين رسول الله e من العهد؛ فأرسل رسولُ الله e إليهم فجمعهم، ثم قال: "يَا مَعْشَرَ يَهُود، أسْلِمُوا فَوَاللهِ إِنَّكُم لَتَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللهِ قَبْلَ أنْ يُوِقَع اللهُ بِكُم مِثْلَ وَقْعَةِ ُقَرْيٍش" فقالوا: يا محمد لا يغرنَّكَ مَن لقيتَ، إنك لقيتَ أقواماً أغماراً، و إنا والله أصحابُ الحَربِ، ولئن قَاتَلْتَنَا لتَعْلَمَنَّ أنك لم تقاتل مثلنا".

ثم ذكر حصارهم وإجْلاَءهم إلى أَذْرِعات، وهم بنو قَيْنُقَاع الذين كانوا بالمدينة.

فقد ذكر ابنُ كعب مثل ما في الصحيفة، وبين أنه عاهَدَ جميع اليهود وهذا مما لا نعلم فيه ترَدُداً بين أهل العلم بسيرة النبي e، ومَن تأمل الأحاديث المأثورة والسيرة كيف كانت [معهم] علم ذلك ضرورةً.



كانت المرأة المقتولة ذمية

وإنما ذكرنا هذا لأن بعضَ المصنفين في الخلاف قال: يحتمل أن هذه المرأة ما كانت ذِمِّيَّةً، وقائلُ هذا ممن ليس له بالسنة كثير عِلم، وإنما يعلم منها في الغالب ما يعلمه العامة، ثم أنه أبطل هذا الاحتمال فقال: لو لم تكن ذمية لم يكن للإهدار معنى،/ فإذا نقل السب والإهدار تعلق به كتعلق الرجم بالزنى و القطع بالسرقة، وهذا صحيح، وذلك أن في نفس الحديث ما يبين أنها كانت ذمية من وجهين:



تعلق الحكم بالوصف المناسب يدل على العلية

أحدهما: أنه قال: إن يهوديةً كانت تَشْتُمُ النبيَّ e؛ فخنقَها رجل؛ فأبطل دَمَهَا؛ فَرَتَّبَ علي رضي الله عنه إبطالَ الدم على الشتم بحرف الفاء، فعُلم أنه هو الموجب لإبطال دمها؛ لأن تعليق الحكم بالوصف المناسِبِ بحرف الفاء يدل على العِلِّية، وإن كان ذلك في لفظ الصحابي، كما لو قال: زنى مَاعِزٌ فَرُجِم، ونحو ذلك؛ إذ لا فرق فيما يرويه الصحابي عن النبي e من أمْرٍ ونَهْي وحكم وتعليل في الاحتجاج به بين أن يحكي لَفْظَ النبي e أو يحكي بلفظه مَعْنَى النبي e؛ فإذا قال: أَمَرَنَا رسول الله e بكذا، أو نهانا عن كذا، أو حكم بكذا، أو فعل كذا لأجل كذا، كان حجة؛ لأنه لا يُقَدِم على ذلك إلا بعد أن يعلمه العلم الذي يجوز له معه أن ينقله، و تَطَرُّق الخطأ إلى مثل ذلك لا يلتفت إليه، كتطرق النسيان والسهو في الرواية، وهذا مُقرر في موضعه.

ومما يوضح ذلك أن النبي e لما ذكر له أنها قُتِلَتْ نَشَدَ الناسَ في أمرها، فلما ذُكر له ذَنْبُهَا أبطل دَمَهَا. وهو e إذا حكم بأمر عَقِبَ حكاية ـ حال ـ حُكِيَت له دلّ ذلك على أن ذلك المحكي هو الموجِبُ لذلك الحكم؛ لأَنَّه حكم حادث، فلابُدَّ له من سبب حادث، ولا سبب إلا ما حُكي له، وهو مناسب؛ فتجب الإضافة إليه.

الوجه الثاني: أن [نشدان] النبي e الناسَ في أمرها ثم إبطال دَمِهَا دليلٌ على أنها كانت مَعْصُومَة، وأن دَمَهَا كان قد انعقد سببُ ضمانِه، وكان مضموناً لو لم يُبْطِلْه النبي e؛ لأنها لو كانت حَرْبِيِّة لم ينشد الناسَ فيها، ولم يَحْتَج أن يُبْطل دمها و يُهْدِره؛ لأن الإبطال والإهدار لا يكون إلا لدمٍ قد انعقد له سبب الضمان. ألا ترى أنه لما رأى [امرأة] مقتولةً في بعض مَغَازِيه أنكر قَتْلَهَا وَنَهَى عن قتل النساء، و لم يبطله، ولم يُهْدِره، فإنه إذا كان في نفسه باطلاً هَدَراً، والمسلمون يعلمون أن دَمَ الحربيةِ غيرُ مضمونٍ، بل هو هَدْر، لم يكن لإبطاله وإهداره وجه، وهذا ولله الحمدُ ظاهرٌ.

فإذا كان النبي e قد عاهد المعاهدين اليهودَ عهداً بغير ضرب جزية عليهم، ثم إنه أهدر دَمَ يهوديةٍ/ منهم لأجل سَبِّ النبي e فَأَنَّه يُهْدِرَ دَمَ يهودية من اليهود الذين ضُرِبَت عليهمُ الجزيةُ وأُلزموا أحكام الملة لأجل ذلك أَوْلَى وأَحْرَى، ولو لم يكن قَتْلُهَا جائزاً لبيَّن للرجل قُبْحَ ما فعل؛ فإنه قد قال e: "مَنْ قَتَلَ نَفْساً مُعَاهِدَةً بِغَيْرِ حَقِّهَا لَمْ يُرِحْ رَائِحَة الجَنَّةِ" وَلأوجَبَ ضمانها أو الكفارة كفارة قتل المعصوم، فلما أهدر دَمَهَا عُلم أنه كان مُبَاحاً.



الدليل الثاني من السنة على قتل الساب

الحديث الثاني: ما رَوَى إسماعيل بن جعفر عن إسرائيل عن عثمان الشحَّام عن عِكْرِمَة عن ابن عباس رضي الله عنهما أن أعْمَى كانت له أمُّ ولدٍ تَشْتُمُ النبي e وتَقَعُ فيه؛ فَيَنْهَاها فلا تَنْتَهِي، و يزجرها فلا تنزجر فلما كان ذات ليلة جَعَلَت تقعُ في النبي e وتشتمه؛ فأخَذَ المِغْول فوضَعَه في بطنها واتَّكَأَ عليها فقتلها، فلما أصْبَحَ ذُكِرَ ذلك للنبي e، فجمع الناسَ فقال: "أنْشدُ الله رَجُلاً فَعَلَ مَا فَعَلَ لِي عَلَيْهِ حَقٌ إِلاَّ قَامَ"، فقام الأعْمَى يتخطَّى الناسَ وهو يتدلدل، حتى قَعَدَ بين يَدَي النبيِّ e، فقال: يا رسول الله أنا صَاحِبُهَا، كانت تشتمك و تَقَعُ فيك فأنهاها فلا تنتهي وأزجُرُها فلا تَنزَجر، ولي منها ابْنَانِ مِثْلُ اللؤلؤتين، وكانت بي رفيقة، فلما كان البارحة جعلت تشتمك وتقعُ فيك، فأخذت المِغْول فوضعته في بطنها واتَّكَأْتُ عليه حتى قتلتُهَا، فقال النبي e: "ألا اشْهَدُوا أنَّ دَمَهَا هَدَرٌ" رواه أبو داود والنسائي.

و المِغْوَلُ ـ بالغين المعجمة ـ قال الخطابي: "شبيه المِشْمَلِ ونَصْلُه دقيق ماضٍ"، وكذلك قال غيره: هو سيف رقيق له قَفًا يكون غمده كالسوط، و المِشْمَلِ: السيفُ القصيرُ، سُميّ بذلك لأنه يشتمل عليه الرجل، أي: يغطيه بثوبه، واشتقاق المغول من غَالَهُ الشيء واغتاله إذا أخذه من حيث لم يَدْرِ.

وهذا الحديث مما استدلَّ به الإمام أحمد في رواية عبدالله قال: ثنا رَوْح ثنا عثمان الشحَّام ثنا عكرمة مولى ابن عباس أن رجلاً أعْمَى كانت له أمُّ ولدٍ تَشْتُمُ النبيَّ e، فقتلها، فسأله عنها، فقال: يا رسول الله إنها كانت تَشْتُمُكَ، فقال رسول الله e:

"ألاَ إنَّ دَمَ فُلانَةً هَدَرٌ".


هل قصة المرأتين واحدة أم متعددة؟



فهذه القصة يمكن أن تكون/ هي الأولى، وعليه يدلُّ كلامُ [الإمام] أحمد؛ لأنه قيل له في رواية عبدالله: "هل في قتل الذمي إذا سَبَّ أحاديث؟ قال: نعم، منها حديث الأعْمى الذي قتل المرأة، قال: سَمِعْتُهَا تَشْتُمُ النبيَّ e".

ثم روى عنه عبدالله كلا الحديثين، و يكون قد خَنَقَها وبَعَجَ بَطْنَهَا بالمغول: أو يكون كيفية القتل غير محفوظة في إحدى الروايتين.

ويؤيد ذلك أن وقوع قِصَّتين مثل هذه لأعْمَيَينِ كلٌّ منهما كانت المرأة تحسن إليه وتُكَرِّر الشتم، وكلاهما قتلها وحده، وكلاهما نَشَدَ رسولُ الله e فيها الناسَ، بعيدٌ في العادة، وعلى هذا التقدير فالمقتولَةُ يهودية كما جاء مُفَسَّراً في تلك الرواية، وهذا قول القاضي أبي يَعْلَي وغيره، استدلُّوا بهذا الحديث على قتل الذميِّ ونَقْضِه العهدَ، وجعلوا الحديثين حكايةَ واقعةٍ واحدةٍ.

ويمكن أن تكون هذه القصة غير تلك، قال الخطابي: "فيه بيان أن سابَّ النبي e يقتل، وذلك أن السب منها لرسول الله e ارتدَادٌ عن الدين"، وهذا دليلٌ على أنه اعتقد أنها كانت مسلمة، وليس في الحديث دليل على ذلك، بل الظاهر أنها كانت كافرة، وكان العهد لها يملك المسلم إياها؛ فإن رقيق المسلمين ممن يجوز استرقاقه لهم حُكْمُ أهل الذمة، وهم أشَدُّ في ذلك من المعاهدين، أو بتزوج المسلم بها؛ فإن أزواج المسلمين من أهل الكتاب لهم حكم أهلِ الذمة في العصمة؛ لأن مثل هذا السبِّ الدائم لا يفعله مسلم إلا عن ردة واختيار دين غير الإسلام، ولو كانت مرتدة منتقلة إلى غير الإسلام لم يُقِرَّها سيدُهَا على ذلك أياماً طويلة، ولم يَكْتَفِ بمجرد نهيها عن السَّب، بل يطلب منها تجديد الإسلام، لا سيما إن كان يَطَؤُهَا، فإن وَطْءَ المُرْتَدَةِ لا يجوز، والأصْلُ عدمُ تغير حالها، وأنها كانت باقيةً على دينها، يوضح ذلك أن الرجل لم يقل: كَفَرْت ولا ارْتَدَّت، وإنما ذكر مجرد السبَّ والشتم، فعلم أنه لم يَصْدُرَ منها قدر زائد على السَّب والشتم من انتقال من دين إلى دين أو نحو ذلك.

وهذه المرأة إما أن تكون كانت زوجَةً لهذا الرجل أو مملوكة له، وعلى التقديرين فلو لم يكن قَتْلُهَا جائزاً/ لبيّن النبي e له أن قتلها كان محرماً، وأن دمها كان معصوماً، و لأوْجَبَ عليه الكفَّارَةَ بقتل المعصوم والدِّيَةَ إن لم تكن مملوكة له، فلما قال: "اشْهَدُوا أنَّ دَمَهَا هَدَر" ـ و الهدر الذي لا يضمن بقَوَد ولا ديّةٍ ولا كفَّارَة ـ عُلم أنه كان مباحاً مع كونها كانت ذمية، فعُلم أن السبَّ أباح دَمَهَا، لا سيما والنبيُّ e إنما أهْدَرَ دَمَهَا عقب إخباره بأنها قتلت لأجل السبِّ، فعُلم أنه الموجِبُ لذلك، والقصة ظاهرة الدلالة في ذلك.





الدليل الثالث من السنة على انتقاض عهد الذمي الساب وقتله

الحديث الثالث: ما احتج به الشافعي على أن الذميَّ إذا سبَّ قُتِل وبرئت منه الذمة، وهو قصَّةُ كعب بن الأَشْرَفِ اليهوديّ.

قال الخطابي: قال الشافعي: "يقتل الذميُّ إذا سَبَّ النبيَّ e، وتبرأ منه الذمة، واحتج في ذلك بخبر كعب بن الأشرَفِ، وقال الشافعي في "الأُم": لم يكن بحضرة النبي e ولا قربه مشرك من أهل الكتاب إلا يهود المدينة، وكانوا حُلَفَاء الأنصار، ولم تكن الأنصار أَجْمَعَت أولَ ما قَدِمَ رسولُ الله e إسلاماً، فوادَعَتَ يهودُ رسولَ الله e، ولم تخرج إلى شيء من عداوته بقول يظهر و لا فِعْل حتى كانت وقعة بَدْرٍ، فتكلم بعضها بِعَدَاوَتِه والتحريضِ عليه، فَقَتَل رسول الله e فيهم"، ومعلوم أنه إنما أراد بهذا الكلام كعَبَ بن الأشرف، والقصة مشهورة مستفيضة، وقد رواها عمرو بن دِينَارٍ عن جابر بن عبدالله، قال: قال رسول الله e: "مَنْ لِكَعْبِ بِنِ الأَشْرَفِ، فَإِنَّهُ قَدْ آذَى الله َوَرَسُولُهُ؟" فقام محمد بن مَسْلمة فقال: أنا يا رسول الله، أتحبُ أنَّ أقتله؟ قال: "نعم"، قال: ائْذَن لِي أن أقول شيئاً، قال: "قل"، قال: فأتاه وذكَر ما بينهم، قال: إن هذا الرجل قد أراد الصَّدَقة وعنَّانا، فلما سَمِعه، قال: وأيضاً والله لَتَمَلُنَّهُ، قال: إنا قد اتبعْنَاهُ الآن، ونكره أن نَدَعَه حتى ننظر إلى أي شيء يصير أمره، قال: وقد أردت أن تُسْلِفَنِي سَلفاً، قال: فما ترهنني؟ نساءكم، قال: أنت أجمل العرب، أنرهنك نساءنا؟! قال: ترْهَنُوني أولادَكم، قال: يُسَبّ ابن/ أحدنا فيقال: رُهِنت في وِسْقَيْن من تمَرٍ، ولكن نرهنك اللأْمَةَ ـ يعني السلاح ـ قال: نعم، و وَاعَدَه أن يأتَيهُ بالحارث، وأبي عبس بن جبر وعباد بن بشر، فجاؤوا فَدَعَوْهُ ليلاً، فنزل إليهم، قال سفيان: قال غير عمرو: قالت له امرأته: إني لأسمع صَوْتاً كأنَّه صوت دَمٍ، قال: إنما هذا محمد و رضيعُه أبو نائلة، إن الكريم لو دُعِيَ إلى طَعْنة ليلاً لأجاب، قال محمد: إني إذا جاء فسوف أمُدُّ يدي إلى رأسه، فإذا استمكنت منه فَدُونكم، [قال]: فلما نزل نزلَ وهو مُتَوَشِحْ، قالوا: نجد منك رِيحَ الطيب، قال: نعم، تحتي فلانة أعْطَرُ نساء العرب، قال: أفتأذن لي أن أشمَّ منه؟ قال: نعم، فشمَّ، ثم قال: أتأذن لي أن أعود؟ قال: فاستمكن منه، ثم قال: دونكم فقتلوه، متفق عليه.

وروى ابن أبي أويس عن إبراهيم بن جعفر بن محمود بن محمد بن مسلمة عن أبيه عن جابر بن عبدالله أن كَعْبَ بن الأشرف عاهَدَ رسولَ الله e أن لا يُعِينَ عليه ولا يُقاتله، ولحق بمكة، ثم قَدِمَ المدينة مُعْلِناً لمعَاداة النبي e، فكان أول ما خَزَع عنه قوله:

[center]أذَاهِبٌ أنتَ لم تَحْلُل بمرْقَبة وَتَارِكٌ أنتَ أمَّ الفضلِ بِالحَرَمِ؟



وفي أبيات يهجوه بها، فعند ذلك نَدبَ رسولُ الله e إلى قتله، وهذا محفوظ عن ابن أبي أوَيْس، رواه الخطَّابي وغيُره، وقال: "قوله: خزع معناه: قطع عهده"، وفي رواية غير الخطابي فخزع منه هجاؤه له، فأمر بقتله، والخَزعُ: القَطْع، يقال: خزع فلان عن أصحابه خزعاً أي: انقطع وتخلف، ومنه سميت خُزَاعة؛ لأنهم انخزعوا عن أصحابهم وأقاموا بمكة؛ فعلى اللفظ الأول يكون التقدير أن قوله هذا هو أوَّلُ خَزْعِهِ عن النبيe، أي: أول انقطاعه عنه بنقض العهد، وعلى الثاني قيل: معناه قطع هجاه للنبي e منه، يعني أنه نقض عهده وذمته، وقيل: معناه خزع من النبي e هجاه، أي: نَالَ منه، وشَعَّثَ منه، ووضع منه.

و ذكر أهلُ المغازي والتفسير مثل محمد بن إسحاق أن كعب بن الأشرف كان مُوَادِعاً للنبي e في جملة مَن وَادَعه من يهود/ المدينة، وكان عربياً من بني طي، وكانت أُمُّه من بني النَّضِير، قالوا: فلما قُتل أهل بَدْرٍ شقَّ ذلك عليه، وذهب إلى مكة ورَثَاهم لقريش، وفضّل دين الجاهلية على دين الإسلام، حتى أنزل الله فيه: ) أَلَمْ تَرَ إلى الّذِينَ أُوْتُوا نَصِيْباً مِنَ الكِتَابِ يُؤْمِنونَ بِالجبْتِ والطاغُوْتِ ويَقُولُونَ للّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاَءِ أَهْدَى مِنَ الّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً(.

ثم لما رجع إلى المدينة أخذ يُنْشِد الأشعار يهجو بها النبي e، وشَبَّب بنساء المسلمين، حتى آذاهم، حتى قال النبي e "مَنْ لِكَعْب ابْنِ الأَشْرَفِ فَإِنَّهُ [قد] آذَى اللهَ ورَسُولَه؟"، ذكروا قصة قتله مبسوطة.

وقال الواقدي: "حدثني عبدالحميد بن جعفر عن يزيد بن رُومان ومَعْمَر عن الزهري عن ابن كعب بن مالك وإبراهيم بن جعفر عن أبيه عن جابر ..." وذكر القصة إلى قتله، قال: "ففزِعَتْ يهود ومَن معها من المشركين، فجاؤوا إلى النبيِّ e حين أصْبَحُوا فقالوا:

قد طُرِقَ صاحبُنَا الليلة وهو سيد من ساداتنا، قُتِلَ غِيلةً بلا جُرْم ولا حَدَثٍ علمناه، فقال رسول الله e:

"إنه لَو قَرَّ كما قَرَّ غَيرُهُ ممَنْ هُوَ عَلى مِثْل رَأْيِه مَا اغْتِيَل ولَكنهُ نَال مِنَّا الأذى، وَهَجَانَا بالشِّعر، ولَم يَفْعَل هذَا أحدٌ منكُمْ إلاَّ كانَ السّيف".

ودعاهم رسول الله e إلى أن يكتب بينهم كتاباً يَنْتَهُونَ إلى ما فيه، فكتبوا بينهم وبينه كتاباً تحت العذْقِ في دار رَمْلَة بنت الحارث، فحَذرت يهود، وخافت وذَلَّت من يوم قَتْل ابن الأشرف".



وجه دلالة القصة

والاستدلالُ بقتل كعب بن الأشرف من وجهين:

أحدهما: أنه كان مُعَاهداً مُهَادناً، وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم بالمغازي والسير، وهو عندهم من العلم العام الذي يُستغنى فيه عن نقل الخاصة.

ومما لا رَيْبَ فيه عند أهل العلم ما قَدَّمناه من أن النبي e عاهَد لما قدم المدينة جميعَ أصناف اليهود: بني قَيْنُقَاع والنضير و قرَيْظَة، ثم نقَضَت بنو قَيْنُقَاع عَهْدَه، فحاربهم؛ ثم نقضَ عهده كعبُ بن الأشرف، ثم نقض عهده بنو النَّضير، ثم بنو قُرَيْظَة. وكان ابن الأشرف/ من بني النَّضير، وأمرُهم ظاهرٌ في أنهم كانوا مصالحين للنبي e، وإنما نَقَضُوا العهدَ لما خرج إليهم يستعينهم في دِيَةِ الرجلين اللذَينِ قَتلهما عمرو بن أمَيَّة الضَّمْرِيُّ، وكان ذلك بعد مقتل كَعب بن الأشرف، وقد ذكرنا الروايَةَ الخاصة أن كعب بن الأشرف كان معاهِداً للنبي e. ثم إن النبي e جعله ناقضاً للعهد بهجائه وأذاه بلسانه خاصة.

والدليل على أنه إنما نقض العهدَ بذلك أن النبي e قال: "مَن لِكَعْبِ بِنِ الأشْرِفِ فإنهُ قَدْ آذَى الله ورَسُولَهُ؟"، فعلَّل نَدْبَ الناسِ له بأذاه، والأذى المُطْلَقُ هو باللسان كما قال سبحانه: )و لَتَسْمَعَنَّ مِنَ الّذِينَ أُوْتُوا الكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الّذِينَ أَشْرَكُوا أذىً كثيراً(، وقال: )لَنْ يَضُرُوْكُمْ إلاَّ أذىً(، و قال: )وَمِنْهُمْ الّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ ويَقُولُونَ هُوَ أذُنٌ(، وقال: )لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللهُ مِمَا قَالُوا( [الآية]، وقال: )وَ لا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَ( إلى قوله: )وَ ما كانَ لَكُمْ أنْ تُؤْذُوا رَسولَ اللهِ وَ لا أنْ تَنْكِحُوْا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أبداً( الآية.

ثم ذكر الصلاة عليه والتسليم خبراً وأمْراً وذلك من أعمال اللسان، ثم قال: )إنَّّ الَّذِينَ يُؤْذُوُنَ اللهَ وَرَسُولَهُ( إلى قوله: )وَ الَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ(.

و قال النبي e فيما يروى عن ربه تبارك وتعالى: "يُؤْذِيني ابنُ آدمَ يَسُبُّ الدَّهْرَ وَ أنَا الدَّهْر" وهذا كثير.

وقد تقدم أن الأذى اسم لقليل الشر وخفيف المكروه، بخلاف الضرر، فلذلك أطلق على القول؛ لأنه لا يضر المؤذَى في الحقيقة.

وأيضاً، فإنه جعل مطلق أذى الله ورسوله مُوجِباً لقتل رجل معاهد، و معلوم أن سَبَّ الله ورسوله أذَى لله ولرسوله، وإذا رُتِّب الوَصْفُ على الحكم بحرف الفاء دل على أن الوصف علة لذلك الحكم، لا سيما إذا كان مُنَاسباً، وذلك يدل على أن أذَى الله ورسوله عِلة لنَدْب المسلمين إلى قتل مَن يفعل ذلك من المعاهَدِين، وهذا دليل ظاهر على انتقاض عهده بأذى الله ورسوله، والسبُّ من أذى الله ورسولهِ باتفاق المسلمين، بل هو أخص أنواع الأذى.

/وأيضاً، فقد قَدَّمنا في حديث جابر أن أوَّلَ ما نَقَضَ به العهد قصيدته التي أنشأها بعد رجوعه إلى المدينة يهجو بها رسولَ الله e وأن رسول الله e ـ عندما هجاه بهذه القصيدة ـ نَدَبَ إلى قتله، وهذا وحدُه دليلٌ على أنه إنما نقض العهد بالهجاء لا بذهابه إلى مكة.

وما ذكره الواقديُّ عن أشياخه يوضح ذلك ويؤيده، وإن كان الواقديُّ لا يُحْتَجُّ به إذا انفرد، لكن لا رَيْبَ في علمه بالمغازي، واستعلام كثير من تفاصيلها من جهته، ولم نذكر عنه إلا ما أسْنَدْنَاه عن غيره.

فقوله: "لَوْ قَرَّ كَمَا قَرَّ غَيْرُهُ مِمَنْ هُوَ عَلَى مِثْلِ رَأْيِهِ مَا اغْتِيلَ، ولَكِنَّهُ نَاَلَ مِنَا الأذَى وَهَجَانَا بِالشّعْرِ، ولَمْ يَفْعَل هَذا أحدٌ مِنْكُم إلاَّ كَانَ السّيف" نصٌ في أنه إنما انتقض عهدُ ابن الأشرف بالهجاء ونحوه، وأن مَن فعل هذا من المعاهدين فقد استحقَّ السيف، وحديث جابرٍ المسنَدُ من الطريقين يوافقُ هذا، وعليه العمدَةُ في الاحتجاج.

وأيضاً، فإنه لما ذهَبَ إلى مكة و رجع إلى المدينة لم يَنْدُبِ النبيُّ e المسلمين إلى قتله، فلما بلغه عنه الهجاء نَدَبهم إلى قتله، والحكم الحادث يضاف إلى السبب الحادث، فعُلم أن ذلك الهجاء والأذى الذي كان بعد قُفُوله من مكة موجِبٌ لنقض عهده ولقتاله، وإذا كان هذا في المُهَادِنِ الذي لا يُؤدِّي جِزْيَةً، فما الظنُّ بالذمِّيِّ الذي يعطي الجزية، ويلزم أحكام الملة؟

فإن قيل: إن ابن الأشرف كان قد أُتيَّ بغير السبِّ و الهجاء.

فروى الإمام أحمد قال: ثنا محمد بن أبي عدي عن داود عن ِعْكِرَمة عن ابن عباس قال: لما قَدِم كعب بن الأشرف مكة قالت قريش: ألا ترى إلى هذا الصنبر المنبتر من قومه، يزعم أنه خير منا، ونحن أَهْلُ الحجيج، وأهل السِّدَانة، وأهل السِّقَاية، قال: فنزلت فيهم: )إِنَّ شَانِئكَ هُوَ الأَبْتَرُ( قال: وأُنْزِلَتْ فيه: )ألمْ تَرَ إلى الذِينَ أوتُوا نَصِيباً مِنَ الكتَابِ يُؤْمِنُونَ بالجبْتِ و الطّاغُوتِ ويقُولُونَ/ لِلّذينَ كَفَرُوا هَؤُلاَءِ أَهْدَى مِنَ الذِينَ آمَنُوا سَبيِلاً( إلى قول: )نَصِيراً(".

وقال: ثنا عبد الرزاق قال: قال مَعْمَر: أخبرني أيوبُ عن عِكْرِمة أن كعب الأشرف انْطَلَق إلى المشركين من كفار قريش، فاسْتَجَاشَهُم على النبي e، وأمرهم أن يَغْزُوه، وقال لهم: إنَّا معكم، فقالوا: إنكم أهلُ كتابٍ وهو صاحبُ كتاب، ولا نأمن أن يكون مَكْراً منكم، فإذا أردتَ أن نخرج معك فاسجد لهذين الصنمين و آمِنْ بهما، ففعل؛ ثم قالوا له: أنحن أهْدَى أم محمد؟ نحن نَصِلُ الرَّحِمَ، ونَقْرِي الضَّيْفَ، ونَطُوفُ بالبيت، ونَنْحَر الكَوم، ونَسِقْي اللبن على الماء، ومحمد قَطَعَ رحمه، وخرج من بلده، قال: بل أنتم خير وأهْدَى، قال: فنزلت فيه: )أَلَمْ تَرَ إلى الّذينَ أُتُوا نَصِيباً مِن الكِتَابِ يُؤْمِنْون بِالجِبْتِ والطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاَءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً(.

وقال: ثنا عبد [الرزاق] ثنا إسرائيل عن السُّدِّي عن أبي مالك قال: إن أهل مكة قالوا لكعب بن الأشرف لما قدم [عليهم]: دِينُنَا خيرٌ أم دين محمد؟ قال: اعْرِضُوا عليَّ دينكم، قالوا: نُعَمِّر بيت ربنا، وننحر الكَوْمَاء، ونسقي الحاجَّ الماء، ونَصِلُ الرَّحِم، ونُقْرِي الضيف، قال: دينكم خيرٌ من دين محمد، فأنزل الله تعالى [هذه] الآية.

قال موسى بن عقبة عن الزهري: "كان كعب بن الأشرف اليهوديُّ ـ وهو أحَدُ بني النَّضِير، أو هو فيهم ـ قد آذى رسول الله e بالهجاء، وركب إلى قريش، فقدم عليهم، فاستعان بهم على رسول الله e؛ فقال أبو سفيان: أُنَاشِدُك أديننا أحبُّ إلى الله أم دين محمد وأصحابه؟ و أينا أهدى في رأيك وأقرَبُ إلى الحقِّ؟ فإنا نطعم الجَزُورَ الكَومَاء، ونسقي اللبن على الماء، ونطعم ما هَبَّتِ الشمال، قال ابن الأشرف: أنتم أهْدَى منهم سبيلاً، ثم خرج مُقْبِلاً حتى أجمع رأيُ المشركين على قتال رسول الله
[/center]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
المسألة الأولى الجزء 4
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
همس الأشواق  :: ¤,¸¸,¤إســ همس الأشواق ـــلاميات¤,¸¸,¤ :: قسم القصص الأسلامية-
انتقل الى: